أبي الفتح الكراجكي

105

كنز الفوائد

فإن قيل أليس من قولكم إن الله تعالى بكل مكان قلنا بلى ومعنى ذلك أنه عالم بكل مكان وبما فيه حافظ له وهذا معروف في اللغة يقول القائل لصاحبه إني معك حيث كنت وإني لا أغيب عنك ويريد لا أجهل ما تعمله ولا يخفى علي شيء منه ويقال إن الرجل في صلاته وفي بناء داره وليس المراد أنه متمكن أو حال فيها وإنما يريدون أنه يفعلها ويدبرها . فإن قيل أو ليس في القرآن أن له عرشا وكرسيا قلنا هو كذلك والعرش المذكور في القرآن على وجهين أحدهما قوله سبحانه الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 1 » وقد قال أهل العلم في ذلك إن العرش هنا هو الملك واستواؤه عليه هو استيلاؤه عليه بالقدرة والسلطان . واستشهدوا في ذلك بشواهد منها قول الشاعر في ذكر العرش وأنه الملك إذا ما بنو مروان ثلث عروشهم * وأودوا كما أودت أياد وحمير « 2 » ومنها قول الآخر في ذكر الاستواء وأنه الاستيلاء إذا ما علونا واستوينا عليهم * تركناهم مرعى لنسر وكاسر يريد بذلك الاستيلاء والقدرة عليهم والتمكن لهم بالقهر لهم . والآخر تفسير قوله سبحانه وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ فقد قال العلماء في ذلك إن هذا العرش بنية خلقها الله تعالى في سمائه وأمر الملائكة بحملها لا ليكون عليها تعالى الله عن ذلك ولكن لما رآه من الصلاح في تعبدهم بحملها وتعظيمها كما أنه سبحانه تعبد بني آدم بتعظيم الكعبة في الطواف حولها وقال إنها بيته لا ليسكنها تعالى الله عن ذلك .

--> ( 1 ) سورة طه : 5 ( 2 ) أياد وحمير قبيلتان من قبائل اليمن .